دردشات العرب: من غرف الماسنجر إلى الشات الحديث
من عاش بدايات الإنترنت في العالم العربي يتذكر صوت المودم وهو يتصل، ثم نافذة صغيرة فيها قائمة غرف: «العراق»، «مصر»، «الخليج»، «عشاق الشعر». كانت الدردشة يومها هي الإنترنت نفسه لكثير من الناس، والسبب الأول الذي يجعل شاباً يسهر أمام الشاشة حتى الفجر.
البدايات: أسماء مستعارة وحروف لاتينية
في أواخر التسعينيات لم تكن لوحات المفاتيح العربية منتشرة، ولم تكن كل البرامج تدعم العربية أصلاً. فوُلدت «العربيزي»: كتابة العربية بحروف لاتينية وأرقام، فصار الرقم 3 عيناً والرقم 7 حاءً. كانت لغة الشات الأولى، وما زال بعض من عاش تلك الفترة يكتب بها حتى اليوم.
وكانت الأسماء المستعارة جزءاً من المتعة. لا أحد يعرف من خلف «فارس_الليل» أو «وردة_الشام»، وهذا الغموض جعل الناس أكثر جرأة في الكلام وأقرب إلى بعضهم. نشأت صداقات بين أشخاص من بلاد لم يزوروها، وتعلم كثيرون لهجات لم يسمعوها قبل ذلك.
زمن الماسنجر والمنتديات
مع انتشار برامج المراسلة الفورية في بداية الألفية، تغير شكل الدردشة. صار لكل شخص قائمة أصدقاء وحالة يكتب فيها جملة تعبر عن مزاجه. وفي الوقت نفسه ازدهرت المنتديات العربية، وكان كثير منها يضم غرفة دردشة جانبية يجتمع فيها الأعضاء بعد نقاش طويل في موضوع ما.
كانت تلك الفترة ذهبية لغرف الشات العربية: مواقع بأسماء البلدان والمدن، ومشرفون يعرفون رواد الغرفة بالاسم، و«دخل فلان» و«خرج فلان» تتكرر في الشاشة طوال الليل.
ثم جاءت مواقع التواصل
حين انتشرت مواقع التواصل الاجتماعي، انتقل جزء كبير من الناس إليها. صار التواصل مرتبطاً بالهوية الحقيقية: اسمك الحقيقي، صورتك، أصدقاؤك من المدرسة والعمل. وهذا مناسب لأشياء كثيرة، لكنه أفقد التجربة شيئاً مهماً: أن تتكلم مع شخص غريب عنك تماماً، دون حسابات اجتماعية، ودون أن يعرف أحد من أنت.
لماذا عادت الغرف؟
اليوم يعود كثيرون إلى فكرة الغرف لأسباب مختلفة. بعضهم تعب من الاستعراض الدائم في مواقع التواصل. بعضهم يبحث عن سالفة عفوية مع أشخاص من خارج دائرته. وبعضهم يعيش في الغربة ويشتاق لسماع لهجته من غرباء يشبهونه.
ما تغير هو الأدوات: لم يعد مقبولاً أن تكون الغرفة مكاناً بلا ضوابط. صار المستخدم يتوقع أن يستطيع تجاهل من يزعجه بضغطة، وأن تُرفض الأسماء الخادشة تلقائياً، وأن تعمل الصفحة على الجوال كما تعمل على الكمبيوتر.
ما الذي بقي كما هو؟
بقيت الأسئلة نفسها تقريباً: «من وين؟»، «شنو تشتغل؟»، «مين يشجع؟». وبقي الحنين في كلام من يقول «كنا زمان نسهر في الشات». وبقي الشعور الجميل حين تجد في غرفة مزدحمة شخصاً يفهم نكتتك من أول مرة.
دردشات العرب تغيرت أشكالها كثيراً خلال ثلاثين عاماً، لكن الحاجة التي وراءها لم تتغير: أن يتكلم الإنسان مع إنسان آخر، فقط لأنه يريد أن يتكلم. وإن أحببت أن تجرب ذلك الآن، فالغرف في الشات العربي مفتوحة دون تسجيل.